الثلاثاء، 24 ديسمبر، 2013

"الآفـة "

شعر لـ إدجار ألان بو - the Conqueror Worm
ترجمة: هانيــة عَســوَد

فلتَحضَر الدهشة! هيَ ليلةُ الحفلِ
    خلالَ سنواتِ الوحدةِ البديلة!
حشدُ ملائكةٍ .. بأجنحةٍ، تعتليها زينةُ القداسةِ
    مغطاةٌ بالأحجبةِ .. وغارقةٌ بالدموعِ،
تجلسُ في المسرحِ، لتشاهدَ
    مسرحيةً منَ الآمالِ والمخاوفِ،
حيثُ الأوركسترا تتنفسُ بشكلٍ متقطعٍ
    موسيقى الروحِ وتشابُكها مع العالم.

يومؤونَ .. بشكلِ اللهِ، في العُلا
   يُتمتمون ويُغمغمون بالهمسِ،
يتطايرونَ هنا وهناكَ
  مجردُ دمى .. يأتونَ ويذهبونَ
ليَهبوا أشياءاً كتيرةً بلا أشكالٍ
   يحولونَ المشهدَ بمجيئهم وذهابهم،
ومنْ رفرفةِ أجنحتِهم، كطيرِ الكوندورِ، يخرجُ
   تعجبٌ خفيّ!

تلكَ الدراما المتنافرةُ – تَأكـدْ
    لا يُمكن لها أنْ تُنـسى!
فشبحُها مُطاردٌ إلى الأبدِ
    منْ قِبل حشدٍ غيرُ قادرٍ على إغتنمِاها،
في دائرةٍ لا مُتناهيةِ العودةِ
    إلى نفسِ البقعةِ ذاتها،
والكثيرُ منَ الجنونِ، ومزيدٌ منَ الخطيئةِ
    والرعبِ في روحِ المؤامرة.

ثمَ يرونَ وسطَ حشدِ الإيماءاتِ،
    شكلاً زاحفاً يقتحم!
شيءٌ بحمرةٍ داميةٍ يتلوى خارجاً
    من عزلةِ المشهد!
يتلوى! - إنه يتلوى! مع ألمٍ قاتلٍ
تُصبحِ الإيماءاتُ طعامه،
وتبكي الملائكةُ من أنيابِ الآفاتِ الممتلئةِ
    بالعنف الدامي للبشر.

أُطفأتْ .. أُطفئتْ الأنوارُ .. أُطفئَ كلُ شيء!
    وفوقَ كلِّ شكلٍ مرتجفٍ،
الستارةُ .. كفنٌ،
    تنسدلُ كتدفقِ العاصفة،
بينما الملائكةُ، شاحبو الملامحِ والتعابير،
    منتفضونَ، سافرونَ، يؤكدونَ
أنّ المسرحيةَ هي المأساة، "الإنسانْ"
    وبطلُها، الآفةُ الغازِية.

إدغار آلان بو (وبالإنجليزيةEdgar Allan Poe ) من 19 يناير 1809وحتى 7 أكتوبر 1849 م
شاعر وكاتب قصص قصيرة وناقد أمريكي، صحفي، وناقد أدبي وأحد رواد الرومانسية الأمريكية. ولد عام 1809 م في مدينة  بوسطن بولاية ماساشوستس.  تيتم في سن مبكر، وأرسل للعيش مع أسرة حاضنة، إنفصل عنهم بعد سنوات.  مات في سن الأربعين.  ما يزال سبب وفاته غامضاً حتى اليوم، وكذلك مكان قبره. 
في كل ما كتب بو من قصص وقصائد تبرز نقاط توتره وكآبته وقلقه ومواهبه الخارقة التي شكلت شخصيته الابداعية المغايرة والتي لم يفلح الدارسون حتى اليوم في تفكيك كل الغازها وفي دخول كل سراديبها. فكتاباته غاية في الصعوبة وغاية في الجمالية ولم يشرحها ربما أكثر وأوضح سوى ما قاله هو شخصياً في آخر محاضرة له القاها قبل شهور قليلة من رحيله حيث أصبحت هذه المحاضرة منذ ذلك الحين ما سمي "بالمبادئ الشعرية" أو "مفهوم الشعر". وفيها تحدث بو عن غاية القصيدة أو غاية الشعر بشكل عام الذي هو "السمو بالروح." وقد دعى في محاضرته الشهيرة تلك إلى "التحرر" حين كتابة الشعر من كل "أشكال الرضا والفائدة العقلية" التي يمكن أن تسود على الذهن. ويصف هذا "التحرر" على أنه "أثيريا" ولا يحدّ بغايات. كما يصف "السمو" على أنه "تلك القدرة الشفافة وغير المرئية القادرة على رفع روح الإنسان بكل أثقالها المادية الإضافية إلى درجة من الترفع وغير مسبوقة بأفعال إرادية أو مبنية على مجموعة إفتراضات ليبنى عليها مدخلا للوهم أو للتذكر." فالشعر هو ذاك السلوك المنفلت.  وإن عرف إدغار آلان بو كيف يعبر عنه في كتاباته، إلا أن فهمه كان صعباً من قبل الآخرين، فهو كان في نظر أبناء جيله رمز "الشاعر الملعون" .. الشاعر المتسكع المعاكس للتيار، المشاغب في الكتابة الشعرية، المخرب في النثر، المتمرد على كل المدارس الأدبية والشعرية السابقة له، المدمن والمغامر والمتفلت من كل القوانين، الثائر على التقليد، الحزين حتى الموت، الكئيب حتى الثمالة والمتألم والمحب والعاشق حتى الجنون. ولكن سرعان ما تحولت صورة هذا الشاعر لتصير صورة المليونير الذي مات مديوناً، والنجم الشهير الذي مات متسكعاً، منبوذاً ومجهولاً على الرصيف والشاعر الملهم لكبار المبدعين من بعده الذي ظن قصائده ستنضوي معه، فاذا به ومنذ مطلع القرن العشرين "الاخ الروحي" للشاعر بودلير الذي ترجم أجمل كتاباته، واذا به "عبقري الآداب" بالنسبة إلى بول فاليري و"الحالة الشعرية القصوى" بنظر الشاعر مالارميه.. ليصير بو صاحب الرائعة الشعرية "الغراب" الذي مات وحيداً على الرصيف حامل أكبر الألقاب والمهام الأدبية على الإطلاق، بعد أن أشار كبار النقاد إلى أنه كان "المعلم الأول للكتابات الفانتازية" و"مخترع القصة البوليسية"، و"الممهد الأول للرواية العلمية" و"المجدد للقصة الشعبية" و"الرائد في علم التحليل النفسي."

الخميس، 5 ديسمبر، 2013

كيف بدنا نُزبط "أوهامنا بالحياة" ... قبل ما نرحل

جزيرة جربة، تونس - فبراير 2013
كنت مفكرة أكتب شي عن رحيل "نجم"، وبنص مشاعر الحزن من خسارة "إنسان" تاني بحياتنا، إجت خسارة جديدة، رحيل "علي شعث."  
كل الوقت بفكر إنه عندي تصالح مع الموت، وأتمنى أبقى صادقة مع نفسي؛ والتصالح ما بيعني أي شيء غير التقبل وتوقعه بأي لحظة.  واللي بيحرق قلبي وبيوجع روحي بوقت خسارة إنسان قريب – حتى لو بعيد – غير وجع وقهر الفراق والخسارة، هو إني في كل مرة برجع بفكر بقديش الإنسان بطبعه البسيط، غبي وأناني أو يمكن بس بيحاول يعيّش حاله بوهم .. وهم المستقبل واللي جاي .. وهم الإمتلاك ..

من حوالي 19 سنة، خسرت صديق "إنسان" حقيقي، "مكرم قبطي"، من أحلى الناس اللي مرّوا بحياتي .. هو كمان كان شخص اللي يمكن بعض الناس كانت بتشوف عنده "غباء إجتماعي" – زي ما بيتهمني الناس اللي حواليي – ويمكن لهيك صداقتنا القصيرة نسبياً كانت غريبة لبعض الناس.  مكرم شخص بيحب الكل، بيعطي للكل، بيسامح وبيغفر؛ ما بيقسّم الناس وما بيشوف الفروق؛ بيضحك بصوت عالي ومن كل قلبه؛ ولما بيضحك، عينيه كانت بتلمع.  اللي بيلتقي فيه لأول مرة ما كان بيعرف إنه دكتور جامعه – جامعة تكساس بإوستن – ومفكر ومحلل ومحط تقدير كبير من كتير من الدكاترة والطلاب والناس؛ اللي بيلتقي فيه كان بيشوفه إنسان عادي، بسيط جداً، ما بيملك شي غير أواعيه.  ويمكن فعلا مكرم ما كان بيهمه إنه يملك شي غير أقل الأساسيات بالحياة. 

مكرم نام وما صحى؛ صدمتنا كلنا عليه كانت فاجعة .. وعشنا لفترة مليانيين برعب من فكرة الموت والخسارة اللي عمرها ما بتتعوض.  وبعد مكرم بسنوات طويلة، إجت خسارة "سمير سعادة"؛ خسارة كبيرة تانية فجعتنا.  وبرضه سمير كان لما بيضحك عينيه بتلمع؛ سمير كان كل الوقت بيضحكنا كلنا وبيلاقي مساحات فرح للي حواليه. 

لحدا ربي طفولته وبداية شبابه بفلسطين، الموت كان كل الوقت موجود، بس زي ما قالت هنادي إمبارح (أختي)، يمكن كان فينا بوقتها وبحدود وعيينا إننا نتقبله أو حتى نتوقع موت أي عزيز أو قريب، لأنه إستشهاد ولأنه في إحتلال.  ياسر أبو غوش، وجلال أبو خديجة، وكتير ناس إستشهادهم كمان فجعنا لأنهم تركونا فجأة وبلمحة.  مفجع جداً فقدان ناس، ببساطة رمشة عين صغيرة، بيبطلوا موجودين بيناتنا؛ مكرم وسمير وأبو عبيدة وعلي وخالد وياسر وعدي ويافا وغيرهم ... كلهم عينيهم كانت بتلمع، بيضّحكونا وبيضحكوا من كل قلبهم؛ بيحبوا الحياة وبيحبوا الناس .. أو يمكن هيك بنتذكرهم بعد ما يرحلوا بس. 

الحياة "الحضارية" اللي عم بنعيشها مقيته، مرهقة، ما إلها طعم كتير .. ما عدنا شايفين شي غيرنا، لا الأرض ولا الطبيعه والحيوانات والحشرات، ولا الموسيقى، ولا أي شي عاد بيهمنا حقيقي وبجد.  حتى كتير من الناس اللي حوالينا، بننساهم، بننسى وجودهم أو بنتناساهم، بنتخلى عنهم، بنحاربهم، بنحاول نمتلكهم، بنرفضهم، بنحبهم بس مش بالضرورة نقلهم، بنختلف معهم وبننبذهم؛ و و و.  بنركض كل الوقت لنلحق مواعيد، وبنشتغل لنسد فواتير، وبنتنازل عن أحلامنا وآمالنا وطموحاتنا لنلبي توقعات النظم اللي إحنا خلقناها .. بنضيّع لحظات سعادة وفرح كتيرة علشان في أوليات مش بالضرورة تبقى الأولويات الحقيقية.  بطلنا قادرين نحب صح ولا نستمتع صح ولا نحدد الأهم ولا نقدّر حتى إنسانيتنا.

الموت زي الولادة .. همه الحقايق الوحيدة في الحياة.  والحياة قصيرة نسبياً للكائنات البشرية. وإحنا عم بنعيشها، بكل عفويتها وجماليات وإشكاليات التعقيدات اللي فيها، بننسى إننا بالحقيقة ما بنملك شي فيها؛ حتى عمرنا ما بنملكه.  ما بنملك غير اللحظات الآنية؛ المساحات اللي هلا شاغلينها؛ الوعي اللي هلا واعينله؛ المشاعر اللي هلا بنحس فيها؛ العلاقات اللي هلا متوفرة؛ الفرص اللي هلا بين إيدينا؛ بس، وما شي تاني .. حتى الماضي ما بيعود هلا معنا، يمكن بيضل "كفكرة، أو تجربة، أو بس ذكرى" جزء من وعينا، أو بيضيع بلاوعينا؛ ما شي معنا وإلنا إلا اللحظة هاي باللي متوفر وموجود فيها. 

الموت زي الولادة .. ويمكن العشق كمان، همه الحقائق الوحيدة في الحياة اللي ما بنملكهم ولا في إلنا سيطرة عليهم.  الباقي كله، خياراتنا وقراراتنا وكيف بدنا نُزبط "أوهامنا بالحياة" اللي يمكن محتاجينلهم لنقدر نستوعب بديهية لغز الحياة.  غير عن هيك ما في شيء. 

ولما بنرحل .. ما بيبقى منّا أي شي، ولا أي شي، غير قلوب وذاكرة الناس اللي مليناها أو اللي إلنا جزء فيها.  

الاثنين، 11 نوفمبر، 2013

لم يكن يوماً ...

تونس 2012

لم يكن يوماً
بل كانَ ثلةً منْ
مشاعرَ قُيِّدت
وذكرياتٍ شُلت
وأحلامٍ تصدّعت
وآمالٍ تقهقرت.
لم يكنْ يوماً .. 
بل كانَ سنينَ عمرٍ عمّرَت
لرُبما تكونُ .. قد 
مضتْ وإندحرت...

هانية عَســـوَد 
نوفمبر 11، 2013

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

كلنا يا بني البشر "أولاد مرة ورِجّال"؛ لا؟

تصوير: هانية عسود؛ جبيل، بيروت
هانيــة عَســـوَد

صارلي فترة مش بفوت ع تويتر كتير.  وبالعادة بفوت أغلب الوقت من التلفون برمي أشياء بتّطق ببالي كل شي أكم من يوم، ولهيك ما بشوف شو موجود.  بس قبل يومين إجى ع بالي أفوت أشوف شوية أخبار وقصص على لسان المغردين.  وبعد شي ربع ساعة مثلاً من القراءة، حسيت حالي مزعوجة جداً من كمية الناس اللي مكررة مصطلح "أولاد المرة" و/أو "إبن مرة"؛ هدا طبعاً غير الناس اللي مكررة "إبن الوسخة" و/أو "أولاد الوسخة" والناس اللي مكررين "... أخته و/أو أمه" "وإبن الـ ...كة" وغيرهم كتير. طيب غيروا شوية؟ التنويع برضه ما بيضر. 
وعلى فكرة، مش بس شباب، لأ، وصبايا كمان وماشي كلنا بنوقع بهالقصه.

وبصراحة بديش أنظّر ولا أفلسف الموضوع أكتر من اللزوم.  ومش ببالي هلا أفوت بكل قصة إنه أغلب الشتايم والمسبات المعروفة والمتداوله مرتبطة بالمرأة، وهالشيء مش بس بمنطقتنا، لا بكل مكان بالعالم.  ولا حابة أوجع راسي وراسكم بفكرة إعتبار أكبر إهانة يمكن توجيهها لأي شخص بشكل مباشر- بحال الرجل - هي إهانة نساء من عائلته، - وبحال المرأة – هي التشكيك "بشرفها" (بالمفهوم التقليدي والضيق) وكإنه كل القيم الأخرى بالحياة ما إلها أي قيمه مقابل قيمه "الشرف" اللي مرتبطة فقط بالمرأة؛ وكأنه الرجل - للأسف - ما عنده شيء بيربطه بقيمة ومفهوم "الشرف" غير النساء اللي بعيلته. 

بس مش قادرة أبلع الشتيمة الأولى -"أولاد المرة"- واللي أكيد مش بسمعها لأول مرة، وبجد ضايقني كثير كمّ إستخدامها وتكرارها من ناس بحبهم أو بحترمهم وأكيد ناس تانية كتيرة ما بعرفهم.  ومن وقتها وأنا عم بحاول بس أفهم ليش.  ولسة مش قادرة أفهم.  إنه على أي أساس وكيف ممكن تتحول كلمة "مرة - إمرأة" من "إسم تأنيث" لـ "صفة" معيبة وبالتالي بتصير كلمة نابية وشتيمة للست أو للمرأة!  وبعدين بالآخر وبصراحة ومن غير زعل، كلنا يا بني البشر "أولاد مرة ورِجّال"، فشو يعني؟

من مدة إنفتح هالموضوع مع أصدقاء إلي بمصر، من الصعيد وبحري والقاهرة.  واللي فهتمه –وياريت حد يصححني لو غلطانه- إنه في الصعيد كلمه "مرة" لا تعني شيء سيء أو معيب، وبالعكس في أمثله شعبية لطيفه بتصف المرأة "بالمرة."  وإنه إستخدام كلمة "مرة" ككلمة نابية ومسيئة أو كشتيمة هي أكتر في القاهرة وبحري.  تاني، يا ريت لو غلطانه حد يصححني.  بس لو مش غلطانه، هالشيء بيطرح براسي سؤال؛ هل إستخدام كلمة "مرة" كشيء معيب وشتيمة ببحري والقاهرة مرتبط بفترة ما ببداية كشف المرأة "لعوراتها" وخروجها للعمل ودخولها مجال الفن والثقافة مثلاً!! مقابل إنه في الصعيد، وإن كان هناك العديد من النساء اللي خرجوا وإشتغلوا وأبدعوا في مجالات كتير بس بالآخر همه لوقت طويل كانوا بيكشفوا عوراتهم خارج  الصعيد؟ 
في دول تانية بالمنطقة وتحديداً في بلاد الشام، إستخدام كلمة "مرة" ممكن يبقى لإبداء إعجاب كبير أو لوصفها بإنها "جدعه" و/أو "قد حالها."  وفي فلسطين على سبيل المثال وبوقت ما، حسب ذاكرتي، إستخدام كلمة "إبن إمه" و "راضع من مرة" كان بيعني (أو يمكن لهلا بيعني) إنه "قد حاله" و "جدع."  واليوم بس عرفت من صديق إنه بالأردن كلمة "إبن إمه" و "ترباية مرة" تستخدم للتقليل من رجولة الشخص أو من ضعف شخصيته.

من زاوية تانية تماماً، للحظات إجت براسي فكرة إنه برضه ممكن هالمسبة تبقى مرتبطة بأهمية دور المرأة بتربية أطفالها وتأثيرها عليهم لحتى يكبروا.  وبالتالي، في حال تصنيف شخص بإنه "سيء"، بيتم ربط هالشيء بـ "أداء والدته السيء" بتربايته.  بس لو هيك، يبقى لازم نتوقع إنه نفس الناس اللي بتستخدمها لإهانته وإهانه أمه، بحال العكس، إنهم يستخدموا نفس المقولة بوصف إيجابي؛ ولا لأ؟

عموماً، يمكن الموضوع يبقى بس مرتبط بتفاصيل كثيرة بالعلاقة مع ثقافات الدول والناس بأوقات معنيه، وبحترم جداً.  لكن حتى بهيك حال، الثقافة اللي ممكن تبقى حقيقي مسيئة وبتشوه وبتناقض قيم وأخلاقيات كتيرة بنحاول إننا نلاقيلها فرص ومساحات حقيقية لنثبّتها على أرض الواقع بالوقت اللي إحنا عايشين فيه، المفروض إننا نحاول على قد ما بنقدر نبقى شوية أوعى وإننا ما نساهم بتكريسها وتعزيزها من خلال تكريرها سواءاً للمزح أو لأذية آخرين إحنا بنختلف معهم. 

الثقافة مش شيء خارج عنّا، ولا شيء منزّل ما فينا نغيره؛ الثقافة هي من صنيعنا إحنا.  واللغة سلاح وقوة وأهم شكل للتعبير عن الرأي وللتأثير بالآخرين ولبناء الوعي؛ اللغة والمصطلحات اللي بنكررها وبنركز عليها، هي أحد أهم ركائز أي ثقافة. 

الجمعة، 1 نوفمبر، 2013

أســـود وقاتل ..

تصوير هانية عَســوَد - عيتا الشعب، جنوب لبنان، 2006
هانية عَســــوَد

ولا شي، كل الموضوع هو إنه إمبارح وأنا سايقة بعمان، يا داوب بفوت ع شارع رئيسي شوية ولا بيجي من خلفي 6 سيارات ماشين بسرعه ورا بعض وحاطين الفلشر وبيتزانخوا وبيغلسوا بالسواقة؛ كركبوني وكركبوا كل السيارات اللي بالشارع.  معي بالسيارة شخص أجنبي وعم برجعه ع الفندق بعد إجتماعنا؛ خففت السرعة ومشيت ع اليمين.  الشارع كبير بمسربين بس يوم الخميس وعصراً والمنطقة حيوية جداُ وبالتالي أزمة وزحمة ويا دوب السير ماشي.  بدوا يفوتوا من بين السيارات بشكل مزعج جداً وصاروا قدامنا. 

وحدة من السيارات طالع من شبابيكها الجانبية 3 شباب قاعدين على طرف الشباك، ضهرهم للشارع ورجليهم جوه السيارة.  بيرقصوا وبيطبلوا ع ضهر السيارة. والسيارة اللي كانت بالمقدمة سودا ومزينة شوية؛ فقلت ماشي شكله فرح والشباب رايحين يجيبوا العروس ومعجوقين العجقة العاطلة وهيك. 

شوية وإذ واحد من الشباب اللي طالعين من شبابيك السيارة البيضاء واللي كان لابس قميص أبيض كم طويل وعمره بالغالب حوالي 27 سنة، بيطلع شي أسود وبيلوح فيه بإيده كأنه بيورجيه للسيارات اللي حواليه.  أخدني شوية لحظات لإستوعبت إنه اللي بإيده مسدس حقيقي.  إنتبهت إنه الشخص اللي معي سألني أكتر من مرة:
Is this a real gun? قبل ما أستوعب إنه بيحكي معي وأقله: yes I believe it is.

الشارع كان طويل، جسر وبعدين نفق طويل وبعدين كمان جسر طويل، والشاب ضل يلوح بالمسدس بإيده ويرفعه بالهواء. على ما طلعنا من النفق بدأ يتزانخ أكتر ويوجهه المسدس ع السيارات اللي حواليه.  قلبي كان بيهوي من المنظر وأنا عم بفكر بشعور السيارات القريبة منه وأتمنى إنه ما يبقى فيها أطفال.  كان جواي في خوف حقيقي من المنظر، مش لأني أول مرة بشوف قطعة سلاح، لأ أبداً.  أنا بوقت ما بحياتي وأكتر من مرة إنحطت رشاشات براسي وإنرفعت بوشي وإتهددت فيها، ووقفت قدام دبابات وإتصاوبت.  بس بهيك ظروف وهيك سبب لوجود المسدس خلاني أحس أول شيء، قديش في جهل وعدم إتزان بعقلية البشر ومن ناحية تانية حزنت عليهم وحزنت على الناس اللي مضطرة تتعرض لهادا النوع من الرعب بكتير أوقات وتحديداً أوقات الفرح. 

بالأردن، وبكتير دول في المنطقة وبالعالم، كل سنة في ناس بتموت من عيارات نارية طايرة بالهوا بالأفراح والإحتفالات، غير الناس اللي بتموت بعيارات نارية برضه بوقت خناقات حقيقي مش مستاهلة أبداً يروح فيها أرواح بشر.

وأنا عم بنزل من الجسر لأترك وراي هادا المنظر المرعب والمرّ، وقفت جنب شرطي مرور كان واقف وشايف المشهد كله والمسدس؛
قلتله: معاه مسدس. 
قالي: بعرف.
قلتله: شو يعني بتعرف؟ هادا هو؟
ما رد عليي.  والسيارات اللي وراي واللي غالباً كانت ما مصدقة تبعد عن المسدس والسيارة، بدو يزمرولي فإضطريت أمشي. 

وبس ... هادا هو على الأقل الجزء اللي أنا شهدته من القصة.


وعموماً، السلاح بالنسبة إلي، لحد عايش بهالمنطقة بأوقات حرب وقتل ودمار وخسارات إنسانية قهرتنا وشوهت روحنا وحفرت شروخ بذاكرتنا وضميرنا، السلاح مش للفرح وما بيعبر بأي شكل من الأشكال أو الأوقات إلا عن وجع ورعب ومرارة.

الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

رواية "وردة" .. للكاتب صنع الله إبراهيم

هانيــة عَســـوَد

رغم أنني أنتهيت من قراءة هذه الرواية منذ أكثر من أسبوع، إلا أن روحها وأحداثها وتفاصيلها ما زالت تأكل رأسي وروحي حتى الآن. 

وردة، وهو إسم حركي لفتاة عُمانية الأصل عاشت جزءاً من طفولتها في اليمن بعد عُمان ومن ثم إنتقلت للدراسة هي وأخيها إلى القاهرة ومن ثم بيروت.  تجري أحداث الرواية، التي تأتي بأغلبها على لسان وردة، في مصر ولبنان وعُمان واليمن مع التركيز بشكل أساسي على عُمان واليمن (ظفار وصلالة في عُمان وعدن وزنجبار -محافظة أبين- في اليمن).

يُقدم الكاتب من خلال مذكرات وردة (من عام 1960 وحتى 1975) عرض تلخيصي توثيقي حقيقي لجزء من محاولات ومسارات الثورات العربية والعالمية الإشتراكية والتى أتت بأغلبها من خلال إنقلابات عسكرية، مع التركيز بشكل أساسي على المنطقة العربية وتحديداً محاولة جمهرة السلطنة العُمانية وعرض تفاصيل تخص جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. 

تقضي وردة عشرة أعوام من أهم سنوات شبابها كقائدة عسكرية في حركة تحرير ظفار في الجبال وتحت القصف والكرّ والفرّ المستمرين قبل أن تختفي آثارها هي وعشيقها في صحراء الربع الخالي.  تتطرق المذكرات بالإضافة إلى عرض تفصيلي للحياة اليومية للثورة والثوار -اللذين تتنوع جنسياتهم العربية- والتغييرات على المستوى السياسي على المستوى العربي والعالمي، إلى عرض حياة المحليين على الصعيد الثقافي والإجتماعي في المناطق التي تمركزوا فيها خلال الثورة.

وردة .. رواية عميقة، تعكس روح وفلسفة النظام الإشتراكي بشكل عام وتوفر توثيق زخم لأحداث وحقائق تلك المرحلة التاريخية بما فيها تاريخ بدايات عدد من قادة الوطن العربي الذين عايشهم أجيالنا.  رواية موجعه ومهمة جداً، برأيي على الأقل، وتستحق القراءة تحديداً بهذه المرحلة.

صنع الله إبراهيم
من مواليد القاهرة 1937.  روائي مصرى يميل إلى الفكر اليسارى ومن الكتاب المثيرين للجدل وخصوصاً بعد رفضه إستلام جائزة الرواية العربية عام 2003 والتي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة.  سُجن أكثر من خمس سنوات من 1959 إلى 1964 وذلك في سياق حملة شنّها جمال عبد الناصر ضدّ اليسار. 

يعد صنع الله إبراهيم أحد أكبر الروائيين المصريين الذين يتمكنون من السرد وتتميز أعمال صنع الله إبراهيم الأدبية بصلتها الوثيقة التشابك مع سيرته من جهة، ومع تاريخ مصر السياسي من جهة أخرى. من أشهر روايات صنع الله إبراهيم رواية "اللجنة" التي نشرت عام 1981، وهي هجاء ساخر لسياسة الانفتاح التي أنتُهجت في عهد السادات.  صوّر صنع الله إبراهيم أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية في روايته "بيروت بيروت" الصادرة سنة 1984.  إختيرت روايته "شرف" كثالث أفضل رواية عربية حسب تصنيف اتحاد الكتاب العرب.  حصل صنع الله إبراهيم على جائزة ابن رشد للفكر الحر عام  2004.  

السبت، 14 سبتمبر، 2013

العند بعد الفراق ...

تصوير: هانية عسود - دير العدرا، المنيا - 2010
هانيــة عَســـوَد

عجبي ولسة ياما حنشوف
عند بيولد عشق وأمل
وعند بيولد ظلم
وتالت بيولد شقا وخوف.

عند بيجمع ناس
أغراب وبره كل مقاس ...
وعند بيبعد ناس
قالوا المحبة مش ممكن تنداس.

لكن الشيطان وسواس
والعند بعد الفراق .. بطبعه خنّاس
بيشوه كل أمل
وبيحرق كل أساس.

وعجبي

الأحد، 1 سبتمبر، 2013

ويا بنلحق حالنا يا ما بنلحق ...

تصوير: هانية عسود؛ شتاء 2012
هانيــة عَســـوَد

بالحياة في أشياء كتير بنعيشها وبنحس إنه إجتنا فجأة؛ هيك يعني .. سواءاً حسينا إنها أقحمت حالها علينا أو وقّعنا فيها القدر أو يمكن الصدفة أو ممكن بوقت نحس إنه بس إنجرينا إلها بمحض لحظة فصل أو أي إحساس تاني ممكن نحسة أو مبرر بنقرر نرمي عليه  اللي صار. 

بعض النظر عن تفتقات وتحليلات وعينا أو لاوعينا للموضوع، بيضل في أشياء بنعيشها بنحس وكأنها بدأت فجأة .. وبنلاقينا مشدوهين أو مندهشين لفترة لأننا حاسين إنه والله هالموضوع بدأ فجأه ومن غير أي مبررات منطقية واضحة؛ ماشي.  وماشي من منطلق عنصر مفاجأتنا لحالنا ومفاجئات الحياة إلنا. 

بـس، أبداً مش ماشي إننا نستعبط ونقول: "وإنتهى فجأه."  ما في شي بينتهي فجأه ومن غير قرار أو إختيار إنبنوا على تراكمات بتؤدي لإنتهائه أو لإنها توديه بإتجاهات تانية ما كانت مُقررة أو متوقعة.  ما في شيء بينتقل من حالته الأصلية لأي حاله أخرى من غير مبررات، حتى لو كانت غير منطقية أو غير متوقعه أو غير مقبولة أو مش واضحة إلنا بلحظتها أو رافضين إننا نعترف فيها.

تفاصيل تجارب حياتنا ممكن تبدأ وكأنها صدفة، ولو "ما في صدف بالحياة"، يبقى "هبة من القدر."  ولو مش هبة ولا هباب، يبقى شيء تابع لمسار سابق تداخل فيه مسارات جديدة، ولو مش هيك يبقى شي إحنا إخترناه أو قررنا إنه بدنا إياه، حتى لو مش بوعينا وحتى لو مش حابينه، أو يمكن يبقى لأننا بحقيقة الأمر حابينه كتير.

وجود نقطة بداية ممكن نعتبرها "بداية واضحة"، ما بيعني بالضرورة وجود نقطة نهاية واضحة أو حتى وجود نهاية أصلاً.  ولمّا في نهاية بشكل ما، فبالأغلب مش راح تبقى مرتبطة بالبداية أو بتشبها أو حتى بتقربلها من قريب أو بعيد. 

معايشتنا أي بداية وربما أحياناً نهاية، بيعني دخولنا بمسار.  والمسارات هي التجارب اللي بتشكل حياتنا.  المسارات مكونة من أحداث وتفاصيل كتيرة وأغلب الوقت من آخرين كمان؛ هاي التفاصيل وهذا التداخل همه الأساس والقوة الدافعه اللي بتشكّل المسار وبتقوده لوين حيوصل؛ همه اللي بيشكلوا التراكمات والمبررات وبيعطوا كل الوقت تحذيرات وإشارات ومؤشرات لوين رايح المسار أو لوين بيوصل.  ويا بنلحق حالنا يا ما بنلحق .. بغض النظر شو بيعني "بنلحق" من وجهة نظر كل واحد فينا وبأصالة مساره وتجربته.  وعموماً، أغلب الناس ما بتلحق؛ طبيعه بشرية يمكن .. أو تشوهات ثفافية غالباً.

أخيراً، ومعلش إستحملوني، قناعتي بصراحة .. المسارات ما بتبدأ فجأه ومن غير مبرر، وبالتالي مش ممكن تنتهي فجأه من غير مبرر.  وإحنا .. أصحاب مساراتنا وتجاربنا، في بداية أي مسار، ولا مرة بنبقى نفس الشخص اللي صرناه بنهاية هالمسار؛ هذا لو إنتهى أصلاً.  وأكيد العكس صحيح. 


السبت، 24 أغسطس، 2013

متقلش مش رسمك ...

تصوير هانية عسوَد - القاهرة - 2012

هانية عَسوَد

الإسم مش إسمك
لكن إتفصّل على جسمك
وطبعك وهواك.

متقلش مش رسمك
مين كان هيندهلك
غير بعد ما يقاسمك
ويشوف رضاك!

وعجبي ...

أغسطس 2013