الأربعاء، 28 مايو، 2014

لم لا نحلم! ..

قمر فضي مكتمل - عمان؛ مايو 2014 - تصوير هانيــة عَسـوَد


هانيـــة عَســـوَد

اللوتس ينمو على سطحِ النيلِ منْ جديدْ .. يصلُ عبقهُ السماءُ
فتنشقُ طبقاتها سامحةً لنقاءِ قدسيتها أنْ تنتقلَ
لتسكنَ قلوبَ البشرِ وضمائرهم. 

لحظات .. ونسمعُ وقعَ أقدامٍ فوقَ الماءِ تنقرُ موسيقى عذبة تخترقُ الصمتَ
سامحةً لإنعكاسِ القمرِ الفضيّ المكتملِ أنْ يسحلَ أرواحنا
ليعودُ الرقصُ الغجريُّ بجرأةٍ توقظُ الشمسَ فينا.

ندقُ الأرضَ .. فتخضرُّ أكثرَ 
وتزهرُ في نفوسِنا وطقوسِنا لهفةَ مولودٍ جديدٍ يبحث عن أساسيات الحياة ..
نتذوق طعمها، 
نفهم قيمتها 
نقدسها .. 
فنحفظها ونحافظ عليها.

28/5/2014

الجمعة، 16 مايو، 2014

على الكرسي البلاستيك البرتقالي ..

القدس - ٢٠١٣، تصوير هانيــة عَســوَد

قمت بكتابة هذه القصة القصيرة بالإستناد على مذكراتي الشخصية وبطلب من الصديقة رشا حلوة التي قامت بإعداد ملف خاص بمناسبة الذكرى الـ ٦٦ للنكبة لموقع "قل" حيث شارك به عدد من الكتاب والناشطيين الفلسطيين وآخرين من الوطن العربي
http://qoll.org/UI/Front/Inner.aspx?Aid=718#.U3arfPmSzJI 

هانيــــة عَســـــوَد


"إستني هون" .. أشار إلى مقعد بلاستيك برتقالي اللون حيث أجلس الآن ومنذ ربع ساعة مأخودة مع أفكاري وذكرياتي في وسط "معبر اللنبي."    

"طولتي عليي يا إمي."  هكذا أنهت والدتي مكالمتها معي مساء أمس (كما في العديد من المرات) .. لكن صوتها الحنون، أصابني في الصميم هذه المرة وشعرت بذنبٍ وبالحنين. أفقت من النوم هذا الصباح، وأخذت قراراً سريعاً بزيارتها حتى ولو ليوم واحد .. لديها حق، فأنا لم أرها منذ أكثر من شهرين.  جهزت نفسي وشنطتي خلال ربع ساعة .. لن آخذ معي أكثر من حقيبة الظهر الصغيرة.

وبينما أجلس الآن على هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي، تذكرت زيارتي الأخيرة قبل شهرين .. فبعد أن أنهيت كل المعاملات في الجانب الأردني بسرعة، تحرك الباص وأنا كلي فرحاً .. عدم وجود زحام وعدم وجود شنط يعني أن الوقت إلى جانبي وسأصل رام الله هذه المرة "ولسة الدنيا نهار وفضى".  وصلنا الجانب الإسرائيلي أو مايسمى بـ "معبر اللنبي" .. دخلت إلى مبنى المعبر حيث البوابة الإلكترونية المعقدة جداً لفحص الحقائب اليدوية والبشر.  مررت عن البوابة ولم يصدر عنها أي صوت .. وما أن حملت شنطتي إستعداداً للإنطلاق نحو المرحلة التالية سمعت صوت من خلفي:  "هيي إنتي .. تعالي معي."  نظرت إلى الخلف فرأيت فتاة لا تتجاوز الـ 20 عاماً ترتدي بلوزة بيضاء قطنية وسروالاً من الجينز وبالتالي بدت لي كأي مسافرة أخرى .. "شو يعني تعالي معي؟ مين إنتي؟" .. لكن قبل أن أنهي جملتي، رأيت يدها تمتد إلى مسدس صغير على خاصرتها .. إبتسمت وقلت: "آآآه، ماشي، بس شو في؟"  لم ترد على سؤالي.  مشت أمامي ثم توقفت أمام غرفة صغيرة، بثلاثة حيطان وبوابة من قماش.  "إتركي أغراضك بره وفوتي .. تفتيش شخصي." 

في غرفة التفتيش "الشخصي"، سألتها:
- "بدك أشلح كل أواعيي؟"
- "لا بس البلوزة والبطلون"
- علا وجهي إبتسامة سخرية وقرف .. "عموماً ما عندي مشكلة أشلح .. وإنتي عارفة أصلاً إنه ما معي شي .. الماكنة ما إتنفست أصلاً!"
لم تجد في جعبتها ما تقول؛ أنهت التفتيش .. أوقفتني لمدة ساعة قبل أن تعيد لي جوازي لأكمل رحلة العذاب المستمرة .. تماماً كما هذه. 

"إتركي أغراضك بره وفوتي .. تفتيش شخصي .. إستني هون" ... ما تزال هذه الجمل قادرة - في كل مرة أسمعها - لإعادتي ثلاثون عاماً إلى الوراء، حيث عشت نفس الأحدث تكراراً - كمشاهدة وشاهدة -  على مدار 5 سنوات متتالية، في هذه النقطة الحدودية (رغم تغيّر تفاصيلها)، يحدث مع والدتي؛ وفي نهاية كل مرة، كنّا نعود أدراجنا إلى رام الله بحجة أنها ممنوعه من السفر.  في تلك الأيام كان المعبر معقداً ومرهقاً بكل تفاصيله التي لربما تغيرت شكلياً على مدار السنوات الماضية، لكن القهر والظلم والإضطهاد ما زالوا بنفس الدرجة من الدونية - دونية المحتل - والتي أبداً لم تتعدل، حتى في "أشهر العسل" - كما توهم البعض -  تلك التي حضنت عملية السلام وأوسلو. 

الوقت يمضى وما أزال هنا، على هذا الكرسي البلاستيك البادر والقبيح - رغم أنني أحب اللون البرتقالي - وأشاهد الناس تتراكض أمامي من مرحلة إلى أخرى في المعبر، متأملين الوصول إلى بيوتهم "عالبدري."  منذ أن أصبح أهل الضفة الغربية يعيشون في كنتونات شبه منفصله بسبب الزيادة المنتظمة في المستوطنات والحواجز العسكرية، يفضل الأغلبية من الناس السفر براً خلال النهار "وعالفضى"، ليس فقط لأن المسافات أصبحت أطول بسبب الطرق الإلتفافية التي توفر الأمن للمستوطنين داخل أراضي الضفة، أو التأخير الذي قد يطرأ على الحواجز لأي سبب من قبل جنود الإحتلال، وإنما أيضاً لأن السفر لم يعد آمناً .. فقد يتعرض أي شخص للخطر بسبب أن أحد المستوطنين قد طرأ في باله أن يدّعي الجنون ويفتح النار من رشاشه على السيارات الفلسطينية أو على المارة أو أي شيء يتحرك بالليل.  ثم وهناك "الجدار" .. ذلك الشيئ الرمادي القبيح، الممتد من أقصى جنوب الضفة وحتى أقصى شمالها ليفصل ما بين "دولة إسرائيل" وكل ما عداها .. ليس بإستطاعتي أن أقول "الجدار الذي يفصل بين الدولتين" .. فليس هناك دولة أخرى.  وللجدار هذا بوابات تقفل - عادة في الليل - على البعض من مناطق وقرى شمال الضفة الغربية ... وقد تغلق أيضاً في أي ساعة من ساعات النهار لأي سبب يراه جنود الإحتلال بإنه مبرر كافي للقيام بذلك. 

ما زلت هنا طبعاً .. على هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي .. آه كم أتمنى لو أنني عشت في بدايات الستينات - كما أمي - حين كانوا يستطيعون السفر إلى ومن الأردن وسوريا ولبنان وما بعد بسياراتهم الخاصة ودون أية مشقة .. تماماً كما يعبر أهل فرنسا إلى بلجيكا هذه الأيام.  ما زلت أذكر الغيرة تملؤني وأنا أستمع لأمي وخالاتي يخبرنني عن سهرات رأس السنة في بيروت، ورحلات نهاية الأسبوع إلى الشام، وسفرات الصيف إلى تركيا في سيارة إحدى الصديقات.  "معقول؟ أو هكذا كنت أفكر في حينها."  أما اليوم، فلم يعد للشك أن يتملكني ولا للمفاجأة أن ترهقني وأنا أتذكر ذكريات أمي و"كيف كانت الدنيا قبل الـ 67."  فأنا - ومنذ منتصف التسعينات - أرى الغيرة والألم في أعين الكثير من الشباب والشابات - من أهل الضفة وغزة - اللذين ولدوا في بدايات التسعينات وبعد ذلك.  لن أنسى رند .. صديقتي الجميلة الأصغر مني "بكمشة سنوات" .. والحزن الذي ملأ كل ملامحها - وقلبها بالتأكيد - وأنا أخبرها يوماً بأنني زرت كل فلسطين التاريخية منذ طفولتي، وبأنه حتى بداية التسعينات كان في رام الله موقفاً لحافلات رام الله–القدس ولتكسيات رام الله-غزة.  رند وحتى وصولها إلى الجامعه، لم تكن قد زارت القدس التي تبعد عن رام الله 15 دقيقة، أو هكذا كانت قبل أوسلو وتقسيم الأرض والحواجز والمعابر  والجدار. 

منذ أوسلو، أصبحنا غير قادرين على السفر إلى ومن رام الله (أو أي مدينة أخرى) عبر القدس كما كان الحال حتى منتصف التسعينات.  لكن العبور بمحاذاة القدس يكفيني - في كل مرة - لأن أتنفس هوائها .. لأنه أشم روائح بهاراتها وزعترها وزيتونها في "سوق العطارين" .. لأن أستحضر طعم الصفيحة الأرمنية والسجق في "حارة الأرمن" .. وأستمتع بجمال الحلي والأحجار الكريمة الملونة، والملابس المطرزة في "حارة النصارى" .. لأن أمتلئ بالخشوع وأنا أزور "المسجد الأقصى" وأضيء شمعه وأستمتع بعبق البخور في "كنيسة القيامة" .. ولأن أشعر بالدفئ وعيناي ملئى بالدموع وأنا أنثر الروزماري (أو إكليل الجبل) على قبر "ستي وسيدي" بجوار  "باب الرحمة."  فالقدس هي مدينة ميلادي وطفولتي وبداية شبابي .. حيث تنفست رئتاي الهواء لأول مرة، وشهدتْ السماء والآلهة تعاطيي مع محيطي الدنيوي وكل من كان حولي حينها لأول مرة، وحيث أضعت أمي يوماً لساعات لأول مرة، ولربما حيث عشت "حب المراهقة" لأول مرة. 

تؤرقني وتوجعني وصية أمي الوحيدة .. تلك التي رمتها في وجهي كما الصاعقة قبل سنوات؛
- وصيتي بس إنك تدفنيني جنب إمي وأبوي وأهلي .. في القدس.
- شو بتحكي إمي!! بشرفك بلاش هيك وصية .. يمكن ما أقدر وإنتي نفسك عارفة قديش صعب، ويمكن مستحيل.  كيف بدي أقدر أنقلك بعد عمر طويل إن شاء الله للقدس؟ وبعدين في حد ضامن كيف الأوضاع تبقى وقتها؟ مش يمكن حتى أسوأ من هلا؟ 

أصبحت أكرهه فعلاً .. هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي، فأنا ما زلت هنا؛ لكن هذه المرة يأخذني الحلم وأتخيلني وسط حقول جدي (من أبي) الممتدة في قرية "بيت دجن" بالقرب من يافا .. حقول البرتقال والليمون والبطيخ .. تلك القرية التي تحول جزءاً كبيراً من أراضيها إلى شارع رئيسي يتمد ما بين يافا / تل أبيب والقدس بعد أن دمرت الأغلبية من بساتينها وأشجارها في محاولة لمحو التاريخ.  لم يستطيع جدي بعد الهجرة أن يعيش في محيط المخيم .. عاد من الأردن في بداية الستنيات وعاش في أريحا يعمل في بساتين الحمضيات ويزرع أرضه الصغيرة فيها .. ولم يعد إلى بيت دجن منذ غادرها في الـ 48.  كيف أمكنهم إقتلاع مجتمعات كاملة من أمهم الأرض .. الأرض التي كانوا يرونها إمتداداً لأجسادهم وأرواحهم .. بعُرف من؟  عموماً، طوبى لمن رحل .. فعاش ومات في الحلم؛  .. وطوبى لمن بقي .. لحماة الأرض "فلسطيينة الـ 48" الذين ما يزالو حتى اليوم يقفون شاهداً كنبتة الصبار المنغرسة في حلوقهم وذاكرتهم.  فليسقط الإحتلال ولتسقط أوسلوا وليسقط الحضارة والتحضر فعلاً.  

"لإيمتى راح بيضل الفلسطيين يقولوا: ياااه قديش كلشي إتغير وصار أسوأ، ووجعنا كبر، وجرحنا صار أعمق بعد ....؟  بعد النكبة والـ 48، بعد حرب الست أيام والـ 67، بعد أيلول الأسود، بعد إجتياح بيروت، بعد ما رحنا على تونس، بعد الإنتفاضة الأولى، بعد أوسلو، بعد الإجتياح والإنتفاضة التانية (غالباً نسيت أحداث) .. إنه طيب شو ضايل؟ .. وشو اللي لسة جاي؟ .. من وقت النكبة وإحنا كل يوم بنعيشه مليان نكبات!!" 

رأيته مقبلاً عليّ وفي يده جواز سفري .. إنفرجت أساريري، فأخيراً سأغادر هذا الكرسي البلاستيك البرتقالي.  حملت حقيبة ظهري وإتجهت صوب جثته الضخمة الباردة، سلمني إياه وقال: مع السلامة.  لم أنظر إليه ولم أجد في جعبتي ما أرد به عليه، وإنطلقت في مساري بإتجاه المحطتين النهائيتين من المعبر.