الجمعة، 1 أغسطس، 2014

أرحامنا ليست مجرد أوعية

الصورة من مواقع التواصل الإجتماعي - غزة، فلسطين - يوليو 2014
هانيـــــة عَســـــوَد

منذ أن أصبحت أماً، لم يقضّ سلامي شيئاً أكثر من أمن وسلامة أطفالي.  لست في صدد الحديث عن الموت الطبيعي أو العارض، فلا زالت قناعتي وإداعائاتي بأن الموت والولادة هم الحقائق الوحيدة في الحياة، قائمة وراسخة.  وبالتالي ليس بإمكاننا إيقاف أي منهم عندما يأتي موعده.  لكن الموت غدراً أو الأذى النفسي والجسدي المفرط، هو موضوع آخر. 

من يعرفني جيداً لا بد وأنه سمعني أكرر بأنني "لن أتواني عن الإنقضاض على أي شخص يسبب الأذى لأطفالي؛ لن أتواني عن الإنقضاض عليه بأسناني وأظافري. "  هذا أنا .. إمرأة متوازنه نفسياً - أعتقد - وأنعم بصحة جيدةً إلى حد ما، أعيش بأمان وحرية نسبية نوعاً ما، آكل وأشرب وأسافر .. هذا أنا، إمرأة أعمل بوظائف محترمة ومن عرق جبيني أحاول أن أوفر لي ولعائلتي وأطفالي حياة معقوله، أؤمن بالعدالة وبحقوق كل البشر بحياة كريمة وأعيش حياة "حضارية" وأتعامل – بالقدر الذي أستطيع – كإنسانة حضارية رغم بعض تحفظاتي الشديدة على كل مفهوم الحضارة والتحضر وتحديداً التطبيقات والتبعيات لهذه المفاهيم. 

وهذا أنا .. أشعر بالقهر وبالظلم وبالعدمية، أمام أمهات غزة اللواتي يفقدن أطفالهن كل لحظة، ليس فقط بالقتل غدراً وإنما بعيشة أقل - وربما أكثر - من الموت بدرجات؛ عيشة ملئية بالخوف وبالرعب والقهر، بالجوع والنزوح وبالخسارات المتكررة، لحظة بلحظة، وسنة بعد سنة وجيلاً بعد جيل.  وأعجز .. كيف تتعايش أمهات غزة مع ما يحدث لأطفالهن .. كيف تعيش وتتعايش الأمهات اللواتي فقدن أطفالهن في الحروب السابقة؟  ما حال أمهات العراق وسوريا وليبيا وتونس واليمن وغيرهم من دولنا العربية؛ تلك الأمهات اللواتي حُرمن من قطع من أجسادهن .. تلك اللواتي سُرق أطفالهن منهن، صغاراً كانوا أو كباراً؟ 

من يعرفني جيداً يسمعني أنادي أطفالي دوماً - الذين لم يعودوا صغاراً - "كطموطة قلبي" (قطعه صغيرة من القلب)، أناديهم "بوبياتي"، أناديهم "شكفة مني" (قطعة مني).  وأذكر .. ما زلت أذكر كيف أنني كنت أشعر بألم في رحمي حين كانوا يمرضون وهم صغار، وكيف أنني ما زلت حتى الآن أردد "أنني لن أتوانى عن الإنقضاض بأسناني وأظافري على أي إنسان قد يأذيهم." 

أعجز ثانية وأعتب .. يا الله، يا كل الآلهة والأرواح الطيبة، كيف يمكن لأم أن تعيش لحظات حياتها مع رعب دائم في أعين أطفالها؟  كيف يمكنها أن تشهدهم يبكون أحلامهم؟ كيف تعيش مع شعورها بعدم القدرة على تطمينهم وحمايتهم؟  كيف يمكن لأي أم أن تعيش مع مشهد مقتل أحد أطفالها غدراً؟  كيف يمكنها أن تعيش مع أنين روحها ووجع جسدها وآلام رحمها بعد رحيله؟  وكيف لها تأخذ بثأرها؟  كيف وقاتله هو أجبن كائنات الخلق؛ أؤلئك اللذين يقتلون أبرياء وهم مختبئين في طائراتهم وخلف دباباتهم ورشاشاتهم .. أؤلئك اللذين يبيعون أرواحهم لآخرين مختبئين في مكاتبهم بجانب أعلامهم وخلف بدلاتهم ورتبهم ومسمياتهم؟  كيف ستأخذ بثأرها؟  ما عزائها؟ ما الذي قد يعوضها؟

ما يحدث في غزة يقتل المتبقي من الروح بعد معايشة كل ما يحدث في المنطقة منذ سنوات؛ العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، تونس، كل مكان .. السودان، لبنان .. كل مكان.  وفي كل مكان وزمان، من يقرر المقاومة، ومن يقرر الدخول في حرب، ومن يعمل بالسياسة ومن يكتب ومن يشجب ومن يقف متفرجاً ومن يقرر الصمت تواطئاً أو خوفاً، ومن يقوم بأي فعل بكامل رغبته وإختياره، تعود عليه عوائدها، ويتحمل نتائجها، لكن ما ذنب الأطفال أن تسرق أرواحهم؟ ما ذنب الأمهات أن تنتهك أمومتهن وقلوبهن وأجسادهن؟ 

ما يحدث في غزة الآن لا يمكن إلا أن يكون قد هزّ ضمير وقلوب من يقّدروا معنى الحياة والإنسانية، وكل من يرفض الظلم والقهر والوحشية ومن لم يشعر بذلك، ومن لم يرفع صوته عالياً رافضاً لذلك، فعزائي الشديد له ولعائلته ولإنسانيته. وحدهم الأطفال لا يكذبون ولا يجاملون؛ وحدهم الأطفال والشباب الصغار لا يهادنون ولا يسلّمون .. ولهذا تأتي الأجيال دوماً لتلقي اللوم على الأجيال التي سبقتها على تواطئهم وخنوعهم؛ وهذا مصيركم فعيشوا ولكن إلى حين. 

وهذا أنا .. من يشهد لي الكثيرين (أعتقد) بتسامحي وضعف قلبي، أعدكم كأم بأن كل النساء في المنطقة، ستبقى حبلى بأحلام أطفالهن وبذكريات طفولتهم وبأصواتهم وبكل تفاصيلهم .. وأقول لكل من ينتظر أن لا يتبقى في غزة وفي سوريا وفي العراق وفي مصر و و .. من سيحمل الحلم ويزعج كل من في المنطقة وخارجها، أعدكم بأن أرحام النساء ليست مجرد أوعية .. أرحام النساء كُتب تسجل التاريخ ليحفظه كل من سيأتي بعد من رحل عنّا ومضى.

1 أغسطس 2014
(نشرت هذه المقالة في مجلة فلسطين الشباب في عدد شهر سبتمبر 2014 - 
http://www.filistinashabab.com/index.php?option=com_k2&view=item&layout=item&Itemid28&id=7048)